Tuesday, May 15, 2012

"الشعب يقف حائرا بين الثورة و الدخلاء عليها"

Posted by Abouz on May 15, 2012 with No comments
قصه !
ذات مساء في الاسبوع الماضي .. كان ينتظرني على باب البيت رجل من بلدنا اسمه (عوض الله) .
وكنت اعرف ان الذي ينتزع (عوض الله ) من ارضه ، و يقذف به الى القاهرة ، لابد ان يكون زلزالا على الاقل.. و لكنه سارع فطمأنني من هذه الناحية، وقال لي ان كل شيء في البلد على ما يرام .. ثم دخل معي ، وجلس ، وشرب الشاي .. و روى انباء كل رجل و امرأة و جاموسه في القرية.قبل ان ينتهي اخيرا - و بالمناسبة - الى رجاء صغير : ان اساعده في المسألة التي جاء من اجلها .
و كانت المسألة ان شقيقه (فضل الله) مريض .. و ان الطبيب في البندر امر بان (يعملوله اشاعه) -اي اشعة اكس - فلما عملوها قال لهم ان العلاج غير موجود الا في "القصر العيني " . و اخرج (عوض الله) من جيبه الضخم صوره مطويه قدمها الي .. ثم قال :ادي الاشاعه اللي عملناها . فيسطت الصورة امامي، و القيت عليها نظرة . نظرة واحدة .. جعلت قلبي يثب الى حلقي .. و اصابعي ترتجف كأنما اصابتني حمى مفاجأه !
لم اكن انظر الى " صورة " .. و انما كنت اقرأ حكما باعدام (فضل الله) .. و اقرأ فيه الاسباب و الحيثيات و موعد التنفيذ!
كانت الكلية اليمنى قد اكلها السرطان تماما، و حولها الى كتلة من اللحم الشرس المجنون. و كان معنى هذا ان السبيل الوحيد الى انقاذ (فضل الله) هو ازالة الكلية فورا.. و ترك الاخرى تقوم بعملها . ولكن هذه الاخرى كانت - كما تقول الصورة – تتضخم .. و تواجه نفس المصير!
لماذا؟ .. لان سرطان الكلية اليمنى كان من النوع "الخبيث" الذي لا يكتفي بالنمو في مكان .. و انما يدع قطع منه تتفتت اولا وتتسرب الى مجرى الدم باحثه عن مكان اخر تنحشر فيه.. وتنمو مستقلة عن امها . وكان من سوء حظ (فضل الله) ان هذا المكان الاخر كان كليته اليسرى .. حيث انتشرت قطع السرطان المتفتتة هنا و هناك .. كبذور البرسيم في تربة خصبة . فلم تعد هناك فائدة على الاطلاق من ازالة الكليه اليمنى .. ولم يعد هناك ما يمكن ان يوقف المصير المحتوم.
فقلت لعوض الله :منذ متى اصيب اخوك؟
قال: من السنة اللي فاتت.
فاحسست بدمي يغلي .. و نظرت اليه كما لو كنت اريد ان اصفعه .. هذا القاتل الذي ترك اخاه يموت .. ثم جاء يطالب باحياء جثته ! لماذا لم يجيء قبل الان؟ لم سكت حتى اصبح المرض اقوى من كل علاج؟ لماذا يسكتون جميعا .. عبيد الارض الذين في بلدنا ؟ انهم يرفضون دائما يد الطبيب المبسوطة اليهم .. و يتشبثون دائما بان "الشفاء من عند الله وحده" .. ثم لا تبدأ عقولهم تدور الا عندما يبدأ الموت يزحف ! عندئذ فقط يعترفون بالطبيب و يذهبون اليه و يقولون له : انقذنا .. لا لشيء الا ليلقوا على كتفيه بعد ذلك وزر الكارثة المحتومة !
ذكرت ذلك كله وانا انظر في غيظ الى وجه (عوض الله) الكادح الاسمر فاحسست بنفسي اكاد اضربه .. غير انني فجأه تذكرت .
تذكرت مصر كلها . و حكوماتها الكثيرة المتعاقبة . و كيف تسكت كل حكومة منها عن الداء الذي هنا و الداء الذي هناك .. وترفض في اصرار ان تعترف بوعي الشعب او فهمه او قدرته يقول لها : حاذزي من هذه الثغرة فلا تسمع .ويقول لها : اضربي من هذه الزاويه فلا تكترث ، و تزعم ان الذكاء كله عندها ، و الحكمة كلها بعض ما لديها .. وتدعي ان هذا الصوت مزور ، وذلك الصوت مغرض .. وان الشعب لايعرف الحق من الباطل ، ولا يدري اين يمناه من يسراه. 
و تكون النتيجة ان يتضخم كل "سرطان" رفضت ان تتنبه اليه، و ان تضيع كل فرصة رفضت ان تستغلها . فيتطور العيب الصغير الى داء خطير ، و يتطور الداء الخطير الى كارثة .. وتجد "الحكومة الذكية" نفسها ز قد اصبحت في ورطة لامخرج منها على الاطلاق..
............
.............
تذكرت هذا فنسيت حقدي على (عوض الله) ... و احسست انه مظلوم . وودعته حتى الباب وانا ارثي له ، ولاخيه ، ولنفسي ، و لمصر!
((( من كتاب "انتصار الحياة" للكاتب صلاح حافظ من مقالات كتبها عقب ثورة 23يوليو 1952)))

0 comments:

Post a Comment